سيد قطب

3814

في ظلال القرآن

« هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى . إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً . اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى . فَقُلْ : هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ؟ وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ؟ فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى . فَكَذَّبَ وَعَصى ، ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى . فَحَشَرَ فَنادى . فَقالَ : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى . فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى . . إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى » . . وقصة موسى هي أكثر القصص ورودا وأكثرها تفصيلا في القرآن . . وقد وردت من قبل في سور كثيرة . وردت منها حلقات منوعة . ووردت في أساليب شتى . كل منها تناسب سياق السورة التي وردت فيها ؛ وتشارك في أداء الغرض البارز في السياق . على طريقة القرآن في إيراد القصص وسرده « 1 » . وهنا ترد هذه القصة مختصرة سريعة المشاهد منذ أن نودي موسى بالوادي المقدس ، إلى أخذ فرعون . . أخذه في الدنيا ثم في الآخرة . . فتلتقي بموضوع السورة الأصيل . وهو حقيقة الآخرة . وهذا المدى الطويل من القصة يرد هنا في آيات معدودات قصار سريعة ، ليناسب طبيعة السورة وإيقاعها . وتتضمن هذه الآيات القصار السريعة عدة حلقات ومشاهد من القصة . . وهي تبدأ بتوجيه الخطاب إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - : « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى ؟ » . . وهو استفهام للتمهيد وإعداد النفس والأذن لتلقي القصة وتمليها . . ثم تأخذ في عرض الحديث كما تسمى القصة . وهو إيحاء بواقعيتها فهي حديث جرى . فتبدأ بمشهد المناداة والمناجاة : « إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً » . . وطوى اسم الوادي على الأرجح . وهو بجانب الطور الأيمن بالنسبة للقادم من مدين في شمال الحجاز . ولحظة النداء لحظة رهيبة جليلة . وهي لحظة كذلك عجيبة . ونداء اللّه بذاته - سبحانه - لعبد من عباده أمر هائل . أهول مما تملك الألفاظ البشرية أن تعبر . وهي سر من أسرار الألوهية العظيمة ، كما هي سر من أسرار التكوين الإنساني التي أودعها اللّه هذا الكائن ، وهيأه بها لتلقي ذلك النداء . وهذا أقصى ما نملك أن نقوله في هذا المقام ، الذي لا يملك الإدراك البشري أن يحيط منه بشيء ؛ فيقف على إطاره ، حتى يكشف اللّه له عنه فيتذوقه بشعوره . وفي مواضع أخرى تفصيل للمناجاة بين موسى وربه في هذا الموقف . فأما هنا فالمجال مجال اختصار وإيقاعات سريعة . ومن ثم يبادر السياق بحكاية أمر التكليف الإلهي لموسى ، عقب ذكر النداء بالوادي المقدس طوى : « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ . إِنَّهُ طَغى . فَقُلْ : هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ! وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى ؟ » . . « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ . إِنَّهُ طَغى » . . والطغيان أمر لا ينبغي أن يكون ولا أن يبقى . أنه أمر كريه ، مفسد للأرض ، مخالف لما يحبه اللّه ، مؤد إلى ما يكره . . فمن أجل منعه ينتدب اللّه عبدا من عباده المختارين . ينتدبه بنفسه سبحانه . ليحاول وقف هذا الشر ، ومنع هذا الفساد ، ووقف هذا الطغيان . . إنه أمر كريه شديد الكراهية حتى ليخاطب اللّه بذاته عبدا من عباده ليذهب إلى الطاغية ، فيحاول رده عما هو فيه ، والإعذار إليه قبل أن يأخذه اللّه تعالى نكال الآخرة والأولى ! « اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ . إِنَّهُ طَغى » . . ثم يعلمه اللّه كيف يخاطب الطاغية بأحب أسلوب وأشده جاذبية للقلوب ، لعله ينتهي ، ويتقي غضب اللّه وأخذه : « فَقُلْ : هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى ؟ » . . هل لك إلى أن تتطهر من رجس الطغيان ودنس العصيان ؟ هل لك إلى طريق الصلاة والبركة ؟ « وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى » . . هل لك أن أعرفك طريق ربك ؟ فإذا عرفته وقعت في قلبك خشيته . فما يطغى الإنسان ويعصي إلا حين يذهب عن ربه

--> ( 1 ) يراجع فصل القصة في القرآن . في كتاب : التصوير الفني في القرآن « دار الشروق » .